سيد محمد طنطاوي
245
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وأوثرت « ما » على « من » لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا ، ببيان انتظامهما في مسلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا ولا شك أن من صفات الرب أن يكون قادرا على كل شيء ، فقول النصارى بأن اللَّه هو المسيح ابن مريم أو هو ثالث ثلاثة ، قول ظاهر البطلان واضح الفساد . وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك إله سوى اللَّه - تعالى - يستحق العبادة والخضوع ، لأنه - سبحانه - هو المالك لكل شيء ، والخالق لكل شيء أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ . وقدم - سبحانه - الضر على النفع فقال : * ( ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا نَفْعاً ) * لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعه من تطلعها إلى جلب الخير ، ولأنهم كانوا يعبدون غير اللَّه - تعالى - وهمهم الأكبر أن هذا المعبود يستطيع أن يقربهم إلى اللَّه زلفى ، وأن يمنع عنهم المصائب والاضرار . وقوله : * ( واللَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * في محل نصب على الحال . من فاعل * ( أَتَعْبُدُونَ ) * أي أتعبدون آلهة سوى اللَّه لا تملك ضرركم أو نفعكم وتتركون عبادة اللَّه والحال أن اللَّه وحده هو السميع لكل ما تنطقون به ، العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم ، وسيحاسبكم على ذلك وسيجازيكم على أقوالكم الباطلة وعقائدكم الزائفة ، بما تستحقون من عذاب أليم . ثم أرشدهم - سبحانه - إلى طريق الحق ، ونهاهم عن الغلو الباطل فقال : * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ، ولا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ ) * والغلو مصدر غلا في الأمر : إذا تجاوز الحد . وهو نقيض التقصير . وقد نهى النبي - صلى اللَّه عليه وسلم عن الغلو حتى في الدين ، فقد روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عباس أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قلبكم بالغلو في الدين » « 1 » . وروى البخاري عن عمر بن الخطاب أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا : عبد اللَّه ورسوله » « 2 » . وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « هلك المتنطعون . قالها ثلاثة » « 3 » والمتنطعون هم المتشددون المتجاوزون للحدود التي جاءت بها تعاليم الإسلام .
--> ( 1 ) مسند الإمام أحمد ج 2 حديث رقم 225 طبعة الحلبي . ( 2 ) صحيح البخاري باب واذكر في الكتاب مريم من كتاب الأنبياء ج 4 ص 304 ( 3 ) صحيح مسلم كتاب العلم ج 8 ص 58